علي أحمدي ( تعريب : عبد الحسن نجفي بهبهاني )

136

سيد قطب

بعد تأليفه لكتاب « التصوير الفنّي في القرآن » عزم سيّد قطب على تفسير القرآن مع التأكيد على المنحى الجهادي ، فذكر في « ظلال القرآن » : أنّ تأليف هذا

--> - الإنسان هو تاريخ البحث عن الطعام . . » . 9 - والتفسير الإسلامي للتاريخ على خلاف سائر التفاسير الوضعية يعطي مساحة واسعة للغيب ، بل يجعله قاعدة أساسية من القواعد الكبرى للتصوّر الإسلامي ، حتّى لقد جعل الإسلام الإيمان بالغيب مقوّماً من مقوّمات الإيمان لا يتمّ إلّابه : ( ألم * ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) [ سورة البقرة 2 : 1 - 5 ] . « إنّ الإيمان بالغيب نقلة في حياة الإنسان ضخمة ؛ لأن خروجه من دائرة المحسوس الضيّقة إلى إدراك أنّ هناك غيباً مجهولًا يمكن وجوده ويمكن تصوّره ، هو بلا شكّ نقلة من دائرة الحسّ الحيواني إلى مجال الإدراك الإنساني ، وإنّ إغلاق هذا المجال دون الإدراك الإنساني نكسة به إلى الوراء ، وهو ما تحاوله المذاهب المادّية الحسّية ، وتدعوه ( تقدّمية ) . . » . المجال الفسيح الذي يفتحه الإيمان بالغيب أمام وعي الإنسان إنّما هو « فسحة في التصوّر ، وفسحة في إدراك حقائق هذا الوجود ، وفسحة في الشعور ، وفسحة في الحركة النفسية والفكرية يُتيحها التصوّر الإسلامي للمسلم . والذين يريدون أن يغلقوا على ( الإنسان ) هذا المجال ومجال عالم الغيب كلّه ، إنّما يريدون أن يغلقوا عالمه على مدى الحسّ القريب المحدود ، ويريدون بذلك أن يزجّوا به في عالم البهائم ، وقد كرّمه اللَّه بقوّة التصوّر التي يملك بها أن يدرك ما لا تدركه البهائم ، وأن يعيش في بحبوحة من المعرفة وبحبوحة من الشعور ، وأن ينطلق بعقله وقلبه إلى مثل هذا العالم . ماذا عند أدعياء العقلية ( العلمية ) من علمهم ذاته ، يحتّم عليهم نفي ( الغيب ) وإبعاده عن دائرة التصوّر والتصديق ؟ ماذا لديهم من علم يوجِب عليهم ذلك ؟ إنّ علمهم لا يملك أن ينفي وجود حياة من نوع آخر غير الحياة المعروفة في الأرض في أجرام أُخرى يختلف تركيب جوّها وتختلف طبيعتها وظروفها عن جوّ الأرض وظروفها ، فلماذا يجزمون بنفي هذه العوالم وهم لا يملكون دليلًا واحداً على نفي وجودها ؟ لقد نرى حين نناقش هذه القضية أنّ الغيب الذي ينكرونه هو الحقيقة الوحيدة التي يجزم هذا العلم اليوم بوجودها ، حتّى في عالم الشهادة الذي تلمسه الأيدي وتراه العيون » . ( المنظور التاريخي : 31 - 54 ) .